|
مقدمـــة |
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
الطبعة الثانية
بتاريخ 1/10/1980 صدر المرسوم بالقانون رقم 67/1980 بإصدار القانون المدني ، وتم نشره في الكويت اليوم في عددها رقم 1335 بتاريخ 5/1/1981 ، وصدور القانون المدني الكويتي يمثل إنجازاً ضخماً ، تفتخر به دولة الكويت بين الدول الحديثة ، وكان لا بد من توسيع دائرة النشر عن هذا القانون لما وصل إليه من الرفعة والمكانة ، بعد أن استمدت أحكامه من الفكر القانوني المعاصر بأرقى أساليب فن صناعة التشريع ، فتم إصدار الطبعة الأولى في كتاب مستقل متضمناً فهرست للموضوعات والمواد التي تشير إلى كل موضوع ، مع بيان أرقام الصفحات لكي يسهل على رجال القانون البحث والدراسة، وقد انتشر توزيع هذا الكتاب على مستوى الدول العربية وجامعاتها وهيئاتها القضائية ، وأمكن للهيئات الدولية المتخصصة في فروع القانون أن تطلع على النهضة التشريعية في دولة الكويت من خلال استقراء مواد القانون المدني ، وتطبيقات المحاكم الكويتية لها في مجال المنازعات الدولية التي تباشرها إدارة الفتوى والتشريع نيابة عن حكومة دولة الكويت.
ويسعدني أن أقدم الطبعة الثانية من هذا القانون ، بعد أن لاقت طبعته الأولى- التي نفذت- من التشجيع والتقدير مما ضاعف إحساسي بضرورة إعادة طبعه ، لأن إدارة الفتوى والتشريع حرصت دائماً على أن تضع بين يدي رجال القانون المطبوعات التي تضم مجموعات التشريعات المختلفة ، ويأتي في مقدمتها القانون المدني.
وإني إذ أرى الإقبال المتزايد على المطبوعات المختلفة التي اضطلعت إدارة الفتوى والتشريع بنشرها ، لا يسعني إلا أن أرفع إلى مقام حضرة صاحب السمو أمير البلاد المفدى الشيخ جابر الأحمد الصباح وولي عهده الأمين ورئيس مجلس الوزراء الشيخ سعد العبد الله السالم الصباح أخلص التهاني بصدور الطبعة الثانية من مدونة القانون المدني متمنياً لكويتنا الحبيبة العدل والخير والرخاء.
الدكتور عبد الرسول عبد الرضا
رئيس إدارة الفتوى والتشريع
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة الطبعة الأولى
بقلم
سعادة سلمان الدعيج الصباح
وزير الدولة للشئون القانونية والإدارية
أصدر المغفور له سمو الشيخ أحمد الجابر الصباح ، إبان حكمه الزاهر ، أمره الكريم بتطبيق مجلة الأحكام العدلية في دولة الكويت ، وكان ذلك خلال عام 1938م.
ومجلة الأحكام العدلية ، أو ( المجلة ) بلا نعت ولا تخصيص ، على نحو ما اشتهرت بهذا الاسم عبر عمرها الطويل ، تتمثل مدونة لأحكام الفقه الإسلامي الحنيف في المعاملات المالية والقضاء ، على مذهب الإمام أبي حنيفة النعمان ، أصدرتها الدولة العثمانية في شهر شعبان من عام 1293 من الهجرة الموافق عام 1876 من الميلاد ، بعد أن استغرق وضعها سبع سنين ونيف . وقد طبقت ، فور صدورها ، إلى جانب تركيا- البلد الأم- في أقطار عديدة من بلادنا العربية ، التي كانت آنذاك خاضعة للإمبراطورية العثمانية ، فطبقت في الشام ، بمعناها الجغرافي الواسع الشامل لسوريا ولبنان وفلسطين والأردن ، كما طبقت في العراق . ولكنها لم تطبق آنذاك في الكويت ، حيث كانت تبعية الكويت للدولة العثمانية أقرب إلى أن تكون تبعية شكلية ، وكانت هي تتمتع في الواقع بالسيادة الكاملة أو تكاد على كل ما تظله سماؤها بما فيها السيادة التشريعية والقضائية . وإذا كانت (المجلة) لم تطبق في دولة الكويت كأثر لتبعيتها للإمبراطورية العثمانية ، فإن تطبيقها على أرضها كان بمحض الاختيار من أميرها وشعبها . وجاء ذلك في وقت متأخر ، كانت السيادة العثمانية فيه على البلاد قد انتهت حتى من الناحية الشكلية ، وكانت (المجلة) قد ألغيت في تركيا ذاتها . وهكذا تتميز دولة الكويت من بين أخواتها العربيات التي طبقت ( المجلة ) على أرضها ، بأن ( المجلة ) طبقت فيها من غير أن تفرض عليها ، ولكن بمحض الرغبة والاختيار من القوامين عليها ، أميراً وشعباً .
ولقد تمثل تطبيق ( المجلة ) في دولة الكويت عند إجرائه إصلاحاً تشريعياً وقضائياً عملاقاً وفذاً. فأقل ما يقال عن ( المجلة ) - وهو كثير - أنها جمعت بين دفتيها نصوصاً واضحة ومرتبة ومنسقة في أحكام المعاملات المالية والقضاء ، وأنها تعكس ، في صدق وأمانة ، ما قاله في هذا الخصوص الفقه الإسلامي على مذهب الإمام أبي حنيفة النعمان . وبذلك أغنت ( المجلة ) القضاة وغيرهم ، ممن كانوا يتولون معهم مهمة فض المنازعات بين الناس، مئونة البحث في أمهات كتب الفقه الإسلامي ، لاستنباط الأحكام الواجبة التطبيق في القضايا المعروضة عليهم ، إذا ما تعلقت بالأمور المالية ، وهي مهمة لم تكن دائماً سهلة ميسورة .
بيد أنه لم يمض طويل وقت على تطبيق ( المجلة ) في دولة الكويت ، حتى بدأ يظهر أنه ، على جليل شأنه ، لم يكن كافياً لتنظيم معاملات الناس فيما بينهم بين بعض ، وذلك حتى قبل أن يتدفق النفط ، وتنبت في أثره ، على أرض الكويت ، معالم التقدم والحضارة والعمران.
ثم أخذ النفط يتدفق ، ابتداء من أواخر الأربعينات ، وبتدفقه جاء الخير يعم أرجاء البلاد في كرم وسخاء ، وأخذت الحياة على أرض الكويت تتغير وتتبدل . وكان حتماً على القانون أن يواجه هذه الحياة الجديدة ، حتى لا يقف حجر عثرة في سبيل سيرها في طريق التقدم والرخاء والازدهار . وهنا تمثل عدم كفاية ( المجلة ) واضحاً للعيان . وجاءت التشريعات الحديثة ، في سيل غامر لتسد هذا النقص ، وتنظم من جديد مختلف مظاهر الحياة. وكلما صدر تشريع جديد ينظم نوعاً من العلاقات التي كان تنظيمها من قبل داخلاً في رحاب ( المجلة ) ضاق مجال تطبيق هذه الأخيرة بقدره . وأخذ هذا المجال يضيق ويضيق على مر الأيام ، حتى انحسر في حيز جد محدود.
وأهم التشريعات الحديثة التي صدرت في دولة الكويت ، في مجال تنظيم المال ، هو ، بلا منازع ، قانون التجارة الصادر في سنة 1961 . وقد جاء هذا القانون ليتمشى مع ما وصلت إليه التجارة من نمو وازدهار بالغين . وكان طبيعياً أن يقوم قانون التجارة- وقد أنيط به تنظيم تجارة مزدهرة داخلية ودولية- على أسس عصرية تتخالف إلى حد كبير مع ما جاءت به ( المجلة ) من أحكام لتنظيم المال وتداوله بين الناس ، سيما وأنها لم تعرض أصلاً لتنظيم التجارة بقواعد خاصة متميزة ، مكتفية بتنظيم الأحوال المالية دون تفريق بين ما كان منها مدنياً أو تجارياً .
وإلى جانب قانون التجارة ، صدرت في دولة الكويت تشريعات عديدة أخرى تستهدف بدورها تنظيم المال ، حتى في خارج نطاق التجارة والتجار ، وقائمة هي أيضاً على أسس وأساليب عصرية. ومن أبرز تلك القوانين : قانون التسجيل العقاري الصادر بالمرسوم بقانون رقم 5 لسنة 1959 ، وقانون التأمينات العينية الصادر برقم 34 لسنة 1961، وقانون تنظيم الالتزامات الناشئة عن العمل غير المشروع الصادر برقم 6 لسنة 1961 والمعدل بالقانون رقم 42 لسنة 1967 ، ثم بالمرسوم بقانون رقم 73 لسنة 1976 ، وقانون العمل في القطاع الأهلي الصادر برقم 38 لسنة 1964 ، وقانون العمل في القطاع الحكومي الصادر برقم 18 لسنة 1960 ، وقانون العمل في قطاع الأعمال النفطية الصادر برقم 28 لسنة 1969، وقانون إيجار العقارات الصادر بالمرسوم بقانون رقم 35 لسنة 1978. وغير ذلك كثير.
وعلى هذا النحو ، أصبح الوضع القانوني في دولتنا الفتية ، في مجال تنظيم المال وتداوله بين الناس ، قائماً على قواعد تشريعية يمكن لها أن ترتد إلى ثلاثة أنواع متباينة :" الأول ، القواعد التي تتضمنها ( المجلة ) فما بقي لها من قوة النفاذ. " الثاني " القواعد التي تتضمنها مدونة قانون التجارة وما جاء مكملاً لها من تشريعات ، سيما قانون الشركات ." الثالث" التشريعات العديدة المتفرقة والخاصة بأنظمة معينة ، والتي توالت على الكويت على مدار العشرين سنة الماضية .
وذلك وضع غير مألوف . وهو فوق ذلك بعيد كل البعد عن الانسجام ويعوزه التنسيق، وتنقصه حتى وحده الأساس الذي ينبغي للقانون ككل أن يقوم عليه ، فضلاً عما تضمنته القواعد القانونية المنبعثة من التشريعات المختلفة ، في بعض الأحيان ، من التناقض والتباين، حتى في مجال تنظيم الأمر الواحد.
من هنا تولدت الفكرة في وجوب الإصلاح ، وجاءت الأصوات الواعية من كل جانب تنادي بضرورته وتطلب التعجيل به. ولبت الدولة النداء ، وعمدت إلى تحقيق الرجاء . فأصدر مجلس الوزراء في 19 فبراير 1977 ، قراره بإنشاء لجان أربع تكون مهمتها وضع تشريعات جديدة تحكم المسائل التي لم يتناولها المشرع الكويتي من قبل بالتنظيم ، وتطوير وتنقيح التشريعات القائمة في ضوء ما تكشف عن تطبيقها من حاجة ، على أن يكون ما تضعه اللجان من تشريعات مستمداً من أحكام الشريعة الإسلامية وفقاً لأحكام الدستور، متفقة مع مبادئها ، متمشية مع واقع الكويت وتقاليدها. ومن هذه اللجان الأربع ، لجنة التشريعات المدنية التي أنيط بها مهمة وضع مشروع مدونة متكاملة للقانون المدني ، وهو أصل كل فروع القانون التي تحكم المال وأهمها وأكثرها سعة وشمولاً.
وأني إذ أعود ببصري إلى أربع سنوات مضت أو ما يقر بها ، أرى أن ما تمثل آنذاك حلماً جميلاً بات اليوم حقيقة واقعة ، وأصبح للكويت ، لأول مرة في تاريخها ، مدونة متكاملة للقانون المدني ، وذلك على أرفع مستوى.
ومما يبرز ما وصل إليه قانوننا المدني من الرفعة والمكانة أنه جاء في أحكامه متوافقاً تماماً مع أحكام الفقه الإسلامي على اختلاف مذاهبه ، حتى أنه لا يوجد فيه حكم يستعصي تخريجه على مذهب من هذه المذاهب ، أو يتعارض مع روح الشريعة الإسلامية السمحة، وذلك مع الاستفادة ، في نفس الوقت ، مما وصل إليه الفكر القانوني المعاصر من تقدم رائع في فن صناعة التشريع وأساليبه الحديثة . وإذا كان لي أن أشير هنا إلى بعض مما حققه القانون المدني من العمل على أن تجيء أحكامه متفقة مع ما تقضي به شريعتنا الإسلامية ، فإني أخص بالذكر ما تضمنته مادته رقم 307 من تحريم الفوائد على النقود في مجال المعاملات المالية المدنية- وكذلك ما تضمنته مادته الرقمية 357 بإلزام الدولة بأن تدفع الدية لمن يستحقها ، إذا تعذرت معرفة الملتزم بها ، متجاوباً في ذلك مع ما قضى به الرسول عليه أفضل صلوات الله ، حينما عقل قاتل عبد الله بن سهيل من بيت المال ، ومع ما تبعه فيه خليفته عمر بن الخطاب ، عندما ودى من بيت المال رجلاً قتل في زحام فلم يعرف قاتله ، بعد أن طلب المشورة من علي كرم الله وجهه ، فأشار عليه بما قضى ، قائلاً: " لا يطل دم في الإسلام ".
ولقد جاء القانون المدني فيما يقرب من الألف والمائة مادة وقد بدأ بالأحكام العامة التي من شأنها أن تسري على العلاقات الداخلة في رحاب كل فروع القانون المختلفة دون تمييز. ثم جاء بعد ذلك ينقسم إلى قسمين أساسيين ، تناول أولهما الحقوق الشخصية أو الالتزامات ، وثانيهما الحقوق العنية المتمثلة في الملكية وغيها مما يتفرع عنها.
وإني إذ أرى اليوم هذا الإنجاز الضخم قد تكامل ، وأصبح للكويت قانون مدني على مستوى رفيع ، ومتفق مع أحكام الشرع الإسلامي الأغر ، ومتجاوب مع واقع الكويت ومصالح بنيه ، لا يسعني إلا أن أرفع إلى مقام حضرة صاحب السمو أمير البلاد المفدى الشيخ جابر الأحمد الصباح ، ولولي عهد الأمين ورئيس وزرائه الشيخ سعد العبد الله الصباح ، ولكافة المواطنين أخلص التهاني بصدور مدونة القانون المدني ، متمنياً لكويتنا الحبيبة أن تجد في أحكامه ما يحقق بين ربوعها العدل والخير والرخاء .
والله ولي التوفيق